عمر المختار - ابراهيم فريد

عمر المختار – ابراهيم فريد

كاتب المقال: ابراهيم فريد

التصنيف: ,

المقالة

عمر المختار - ابراهيم فريد

أسطورة (عمر المختار): الزعيم الذي لم يُقهر أبداً.

كلنا أكيد سمعنا عن البطل الأسطوري (عمر المختار).. الزعيم الليبي اللي وقف قصاد جيوش أقوى الدول عشان يدافع عن وطنه، ويرفع راية الاسلام.. الشخصية العربية اللي ماتت من سنين طويلة، لكن سيرتها هتعيش لسة لآلاف السنين.. المجاهد اللي رفض الاستسلام، وأعدموه عشان كان بيدافع عن أرضه.. خاض سلسلة من مئات المعارك والغارات، جعلت من اسمه رمز للكفاح والنضال في تحرير الأوطان.. البطل اللي أجبر جيوش أقوى دولتين في العالم على الاعتراف بمدى ضعفهم وقلة حيلتهم قصاد جماعته اللي عددها كان أقل من ألف مجاهد، ولو عايز تعرف أكتر عنه، وتشوف حكايته بالتفصيل يبقى لازم تتابع المقالة للنهاية 👇

اسمه بالكامل (عمر المختار محمد فرحات ابريدان)، اتولد في ٢٠ أغسطس ١٨٥٨ ميلادياً في قرية (البطنان) بالجبل الأخضر في ليبيا اللي كانت تابعة وقتها للحكم العثماني.. ملقّب بأسد الصحراء، وشيخ المجاهدين، وشيخ الشهداء، وده لإنه أرهق الحكومة الإيطالية والبريطانية لأكتر من عشرين سنة عشان يقبضوا عليه، وهدم اسطورتهم التاريخية اللي رعبت العالم لسنين طويلة.

بعد ولادة (عمر المختار) مباشرةً، بدأ أبوه يهتم به ويربّيه تربية اسلامية مستمدة من تعاليم الحركة السنوسية اللي بتقوم على اتباع القرآن والسنَّة النبويَّة.. وبعد ما أصبح عمره ٤ سنوات تقريباً، أخده والده معاه إلى أرض الحجاز عشان يحجً، لكن توفي هناك لأسباب مرضية، ووصّى قبل ما يموت بإن اللي يربي إبنه من بعده هو رفيقه (أحمد الغرياني) مع أخوه (حسين الغرياني) شيخ (زاوية جنزور).

وبالفعل، الشيخ (أحمد) أخد (عمر المختار) لهناك عشان يربّيه مع أخوه، وساعتها التحق بمدرسة القرآن الكريم اللي موجودة في القرية، وبعدها دخل المعهد (الجغبوبي) عشان يدرس علوم الدين مع أبناء القبائل التانية.

وفي الوقت ده، بدأ (عمر) يجذب انتباه شيوخه ومدرّسيه بسبب نباهته وذكاؤه وحسن أخلاقه، والصفات دي شجّعت أساتذته في المعهد إنهم يهتموا به اكتر عشان يساهم في نشر تعاليم الإسلام خارج ليبيا كمان، وده لإن معهد (جغبوب) كان بمثابة منارة للعلم، وملتقى للعلماء والفقهاء والأدباء من مختلف الدول الإفريقية.

وفضل (عمر المختار) يدرس العلوم الشرعية زي الفقه والحديث والتفسير في المعهد لمدة ٨ سنين تقريباً، وشهدت أساتذته طوال سنوات دراسته بنباهته ورجاحة عقله، وحسن أخلاقه، وحبه للدعوة ونشر الإسلام.. ده غير إنه كان مشهور ساعتها وسط زملائه بالجدية والحزم والاستقامة والصبر.

وفي الفترة دي بدأ (عمر المختار) يهتم بدراسة جغرافيا الصحراء المحيطة به، ويعرف كل الطرق والاختصارات اللي بين الجبال والتلال في صحراء ليبيا، واهتم بدراسة انواع النباتات اللي موجودة في بيئته وخصائصها، واتعلّم كل حاجة عن الماشية والأمراض اللي بتصيبها وطرق علاجها، ده غير إنه كان حابب يعرف طباع كل قبيلة بدوية محيطة به ونسبها وعاداتها وتقاليدها، لدرجة إن البعض كان بيشوف إن الصحراء بمثابة بيته اللي حافظ كل ركن فيه.

وطلع عليه ساعتها لقب أسد الصحراء بعد الحادثة المشهورة اللي جعلت من اسمه شعار تعرفه كل القبائل.. كان الشيخ (محمد المهدي) في رحلة من منطقة (الكفرة) إلى منطقة (قرو) في غرب السودان، وكان مصطحب (عمر المختار) معاه ضمن قافلة فيها عدد من شيوخ الدعوة، وساعتها قطع الطريق عليهم أسد ضخم في وسط الصحراء؛ فقرر الشيخ (محمد المهدي) إنه يفتدي نفسه وأهله بواحدة من الماشية عشان يخلصوا من أذى الأسد، لكن (عمر المختار) رفض إنه يعمل كده، وقال ساعتها:

- ”إن الإتاوات التي كان يفرضها القوي منا على الضعيف قد أبطلت، فكيف يصحّ أن نعيدها لحيوان!!!.. والله إنها علامة ذلٍّ وهوان، ووالله إن خرج علينا لندفعه بسلاحنا“.

وساعتها، صارع (عمر) الأسد لوحده لغاية ما قتله، وبعدها سلخ جلده وعلّقه على وتد في وسط الطريق عشان تشوفه باقي القوافل اللي هتعبر من هناك.. وفضل (عمر) في السودان حوالي عشر سنين، وكان بينشر تعاليم الإسلام والدعوة بمنتهى الجدية والالتزام لدرجة إن شيخه (محمد المهدي) كان بيقول عليه دايماً:

- ”والله لو كان عندنا عشرة مثل عمر المختار لاكتفينا بهم“.

وفي سنة ١٨٩٧، تم تعيينه شيخ لبلدة اسمها (زاوية القصور) القريبة من منطقة الجبل الأخضر في ليبيا.. والبلدة دي كان أغلب اللي بيعيش فيها عبيد، وكان معروف عنهم إنهم أشدّاء وصعب السيطرة عليهم، وبالرغم من كده إلا إن (عمر المختار) نجح في المنصب المكلف به ده، ونجح في السيطرة على سكان البلدة بعد ما كسب ثقتهم، وأطلقوا عليه لقب (سيدي عمر) باعتباره أحد شيوخ السنوسية المعروفين.

وبعدها بحوالي ٣ سنين، بدأ الاحتلال الفرنسي لدولة (تشاد)؛ فانضم (عمر) ساعتها لصفوف المقاومة عشان يحرر أهالي البلد من ظلم الفرنسيين.. وأثناء الحرب حصلت واقعة مشهورة ساهمت في زيادة شعبيته عند القبائل الليبية، وهي إن الإبل اللي كان المجاهدين بيستخدموها في القتال أصيبت بداء الجرب، فسحب (عمر المختار) الإبل اللي بلغ عددها ٤٠٠٠ تقريباً، واتجه بيهم لعين (كلك) عشان يعالجها، وفي فترة قصيرة جداااااا تعافت كل الإبل على يده.

وفي عام ١٩٠٢، توفي شيخه (محمد المهدي)؛ فاستدعت القيادة السنوسية (عمر المختار) للاراضي الليبية عشان يكون حاكم بلدة (زاوية القصور) مرة تانية بعد ما زادت حالات الشغب بين الأهالي، ونجح (عمر) في السيطرة على الجميع في وقت قصير لدرجة إن الحكومة العثمانية أشادت بمجهوداته في جلب الهدوء والاستقرار للبلدة.. وفضل في المنصب ده لمدة ٨ سنوات، وكانت عملياته ضد قوات الانتداب البريطاني على الحدود المصرية الليبية مستمرة، لدرجة إن البريطانيين كانوا بيعتبروه ساعتها شبح الصحراء.

وفي ١٩ أكتوبر ١٩١١، أعلنت إيطاليا الحرب على الدولة العثمانية، وبدأت في إنزال قواتها على أراضي مدينة (بنغازي) الليبية؛ فجمع (عمر المختار) ١٠٠٠ من عبيد بلدة (زاوية القصور) وأنشأ بيهم معسكر في منطقة (الخروبة)، وبعدها التحق بالمجاهدين دول في الجيش العثماني عشان يحاربوا الجنود الطلاينة، واستمرت المعارك لمدة سنة تقريباً كبّدت إيطاليا خسائر فادحة بسبب المقاومة الشرسة.

فعقدت صلح مع الدولة العثمانية في ١٩١٢، وكان من شروط الاتفاق إن الجيش العثماني ينسحب بأسلحته إلى الأستانة في تركيا، وقائد القوات العثمانية (عزيز بك المصري) وافق على شروط الصلح وانسحب إلى الأستانة مع جنوده النظاميين، وقبل رحيله أخد السلاح كله التزاماً ببنود الاتفاقية، والحركة دي أثارت غضب شديد في صفوف المجاهدين، وطالبوه ساعتها بتسليم السلاح قبل الانسحاب.. ولما رفض، بدأ المجاهدين في إطلاق النار على الجنود العثمانية، وتسبّبت المعركة دي في وقوع خسائر بشرية كتير من الطرفين، وساعتها أمر (عمر المختار) المجاهدين الليبيين بعدم التعرض للقوات العثمانية مرة تانية.

وفضل يحارب معاهم ضد الجيش الايطالي لغاية ما وصل (أحمد شريف السنوسي) لمنطقة (درنة)، وساعتها استلم (أحمد شريف) القيادة من (عمر) وفضل يحاربوا سوا ضد القوات الإيطالية، وكانت المعارك بين الطرفين في أعنف صورها وأشبه بالملاحم، وده لإن المجاهدين كانوا متأثرين بشجاعة (عمر المختار) اللي وصفوه ساعتها بالداهية بسبب شدة ذكاؤه.

ومن أشهر المعارك اللي دارت وقتها هي غارة المجاهدين على منطقة (درنا)، واللي استمرت لمدة يومين فقط لكن نجح (عمر المختار) في قتل ٧٠ جندي إيطالي وإصابة ٤٠٠، وده كان يعتبر انتصار رهيب لإن المجاهدين الليبيين كانوا بيعانوا من فقر في التسليح.

وفي الفترة دي، كثّفت القوات الإيطالية غاراتها على جميع المدن الليبية، ونجحت في الاستيلاء على أغلب اراضيها، واضطر (عمر المختار) ساعتها إنه ينسحب مع المجاهدين إلى منطقة (جبل العبيد)، وبدأت معاناتهم تزيد بسبب القحط اللي حلّ على البلاد وقتها.. وبالرغم من كده إلا إن (عمر المختار) كان بيتنقّل بين الحدود المصرية الليبية عشان يقاتل ضد الاحتلال البريطاني على مصر تحت قيادة (أحمد الشريف السنوسي)، وبعدها يرجع على منطقة جبل العبيد عشان يجاهد مع المقاومة ضد الاحتلال الإيطالي.

وفي عام ١٩١٦، استدعاه (نوري باشا) ممثل الدولة العثمانية في منطقة (برقا) عشان يطلب منه إنه يوقف هجماته على الجيش البريطاني في مصر، لكن طبعاً تم رفض طلبه.. وساعتها، راح وفد من الحكومة البريطانية والإيطالية إلى الشيخ (إدريس السنوسي) في منطقة (الزويتينة) عشان يطلبوا منه إقناع (عمر المختار) بإيقاف المقاومة ضد جيوشهم؛ فوافق الشيخ على السلام وتم توقيع معاهدة (الزويتينة) اللي أثّرت بشكل ملحوظ على باقي المعاهدات الليبية اللي حصلت بعد كده.

وفي يناير ١٩٢٣، هاجر الشيخ (محمد إدريس) إلى مصر بعد سقوط العاصمة الليبية (طرابلس) في أيدي الطليان؛ فرجع (عمر المختار) يقود المجاهدين في منطقة (برقة)، وتابع دعوة أهالي الجبل الأخضر للقتال وتجييشهم ضدَّ الطليان، وفتح باب التطوّع للانضمام إلى الكفاح ضدهم، وشكّل ساعتها لجنة من أعيان قبائل الجبل، واتَّبع أسلوب الغارات وحرب العصابات، فكان بيصطحب معاه من ١٠٠ إلى ٣٠٠ محارب في كل غارة.. يعني يهجم ينسحب بعدها بسرعة، وعدد أفراد المقاومة ما زادش عن ١٠٠٠ راجل مسلَّحين ببنادق خفيفة.

وبالرغم من كده إلا إن غارات (عمر المختار) مع المجاهدين كانت أشبه بالكابوس على الجيش الايطالي، وده لإنه كان عليم بخبايا الصحراء ومتعود على القيظ والجفاف وندرة المياه، فاهتم بقطع طرق المواصلات والامدادات على الجيش الإيطالي، وبدأ يهاجم ثكناتهم ويبيد مسؤولين ورتب عسكرية عالية رغم تحصينهم بأسلحة قوية في إيد قوات نظامية، والمقاومة الرهيبة دي تسببت في إحراج الجيش الايطالي امام الرأي العام في بلاده، واتهموه بالفشل في التغلّب على مقاومة شعبية بسيطة من مجموعة مجاهدين لا يزيد عددهم عن ألف رجل.

وفجأة لقى (عمر المختار) إنه تحوّل من شيخ مهتم بشؤون الدعوة إلى قيادي في صفوف المقاومة الليبية، وأصبح منصبه أشبه بالتكليف؛ فبدأ يجمع أكبر عدد من المجاهدين ويحرص على جمع المال الكافي لاستمرار المقاومة

وفي عام ١٩٢٣، سافر (عمر المختار) إلى مصر عشان يقابل شيخه (محمد إدريس) ويعرض عليه نتائج حركة المقاومة، فتواصلت الحكومة الإيطالية ساعتها مع (عمر المختار) بشتّى الطرق عشان تعرض عليه أمرين:

١) إنه يرجع إلى ليبيا مرة تانية، ويتنازل عن زعامة المقاومة ويحاول يجبر رجاله على ترك الجهاد، وفي المقابل هيجعلوا منه رجل ليبيا الاول، وأهم شخصية في تاريخها، وهيوفّروا له سكن أشبه بالقصور في المنطقة اللي يختارها، وكمان هيكلّفوا الجنود الطلاينة بحراسته.

٢) أو إنه يفضل في مصر، ويقطع علاقته بالشيخ (محمد إدريس)، ويطلب اللجوء بشكل رسمي، وفي المقابل هيقدموا له كل الامتيازات اللي يطلبها، بالإضافة إلى راتب شهري ضخم بالرقم اللي هيطلبه.

وكان رد (عمر المختار) كل مرة إننا خلقنا للجهاد.. ورجع بعدها على ليبيا، لكن اثناء عودته حصلت الحادثة المشهورة اللي اتعرفت باسم (بئر الغبي).. كان (عمر) وقتها بصحبة خمسين رجل عجوز من المجاهدين، وفاجئه الجيش الايطالي بحوالي ٧ مصفحات محمّلة بجنود لا حصر لهم، وأول ما حصل الاشتباك انهال عليهم (عمر) ورجاله بالرصاص لغاية ما حرق المصفحات كلها، وقضى على عدد كبير من الجنود واللي تبقى منهم كان بيهرب وسط الصحراء.

وبعد المعركة دي، بدأت المستعمرات الإيطالية تعاني من عدم سيطرتها بشكل كافي على الأراضي الليبية بسبب (عمر المختار) وجماعة المجاهدين، وكتير من القبائل انضمت للمقاومة معاه بعد ما أثبت كفائته في التصدي لقوات الاحتلال، وفي اللحظة دي قررت إيطاليا تغيير سياستها في محاربة المجاهدين تماماً، وأعلنت الحرب على معسكرات المقاومة ومعاقلهم، خاصةً معسكر (البراغيت) اللي كان (عمر المختار) بيدير المقاومة من خلاله، وألغت جميع الاتفاقيات اللي كانت بينها وبين شيوخ قبائل الحركة السنوسية؛ فاشتعلت المعارك والغارات بين الطرفين اكتر، وأصبح اسم (عمر المختار) بمثابة نذير شؤم على القوات الايطالية، وموطن الأمان بالنسبة لشعب ليبيا.

وفي منتصف العشرينات، اتغير عدد كبير من قادة قوات الاحتلال الإيطالي، واتغيرت معاهم سياسات الحكومة مرة تانية، والقادة العسكريين الجدد بداوا يطالبوا بالسلام وعقد مفاوضات مع شيوخ الحركة وزعماء القبائل مقابل إغداقهم بالأموال، وللأسف عدد كبير منهم وافق على المطالب الجديدة بوقف المقاومة رغم محاولات (عمر المختار) المستميتة في إقانعهم بعدم إبرام اتفاقات مع الجانب الليبي.

وفي عام ١٩٢٧، أصدر (الرضا السنوسي) أوامره للقائد (عمر المختار) بوقف إطلاق النار وعدم التعرض للقوات الايطالية، فوافق (عمر) وتوقّف عن المقاومة بشكل مؤقت.. لكن ما قدرش يشوف اراضي بلده بيتم اغتصابها قصاد عينيه ويقف ساكت، فرجع يشن الغارات على معسكرات الاحتلال عشان يجبرهم على محاربته، وبعد معركة شرسة بين الطرفين هربت القوات الايطالية بعد ما سابت السيارات والمدافع الجبلية وصناديق الذخيرة والجمال ودواب النقل.

وخاض بعدها (عمر المختار) عدد كبير من المعارك الملحمية اللي النصر فيها كان حليفه دايماً، زي مثلاً 👇

معركة أم الشفاتير.. المعركة اللي أذلّت الجيش الايطالي، وأجبرته على الانسحاب بعيد عن منطقة الجبل الأخضر رغم استعداده وتفوقه عسكرياً على عناصر المقاومة.. وساعتها، ظهر قادة الجيش الايطالي امام شعبهم بمنظر قبيح بسبب خساراتهم المتكررة رغم امتلاكهم الطائرات والمدافع والدبابات والجيش النظامي اللي يقدّر عدده بعشرات الآلاف، خاصةً إن بعد انتهاء المعركة، قرر (عمر المختار) التشهير بالقضية الليبية امام المجتمع الدولي، وأصدر اوامره إلى عدد من رجاله بالسفر للدول الاسلامية والأوروبية عشان يعرّفوا العالم حقيقة الأوضاع في ليبيا، وساعتها خرج الحاكم الفاشي لإيطاليا (بينيتو موسوليني) عشان يصرّح لشعبه:

- ”إننا لا نحارب ذئاباً كما يقول (جراتسياني)، بل نحارب أسوداً يُدافعون بشجاعة عن بلادهم، ولا شك أن أمد الحرب سيكون طويلاً “.

وبعد نجاحات القائد (عمر المختار) المتكررة في ميدان المعركة، أطلقوا عليه {الزعيم الذي لم يُقهر أبداً} لغاية اكتوبر ١٩٣٠.. ساعتها تمكّنت القوات الايطالية من الاشتباك مع المجاهدين في معركة كبيرة، وفي نهاية المعركة عثروا على نضّارة (عمر المختار) وعلى الحصان بتاعه؛ فخرج القائد (جراتسياني) عشان يلقي بتصريحه المشهور اللي أقلق الشعب الليبي:

- ”لقد أخذنا اليوم نظّارات المختار وغداً نأتي برأسه“.

وبعدها بسنة، توجّه (عمر المختار) بصحبة عدد صغير من رجاله لزيارة ضريح الصحابي (رويفع بن ثابت) بمدينة البيضاء في شرق ليبيا، وساعتها شافتهم وحدات الاستطلاع الجوّي فاتحرّكت فرق وفصائل الجيش الايطالي لمواجهتهم، وبعد قتال عنيف اتجرح حصان (عمر المختار) فوقع الزعيم الليبي على الأرض، وتم القبض عليه.

الغريب إن وفقاً لتصريحات قادة الجيش الإيطالي وقتها، فالقائد الليبي (عمر المختار) كان هادئ البال كإنه مش فارق معاه، والجميع أصابه الذهول بسبب حالة الرضا والاستسلام المستفزة اللي ظهر بها (عمر المختار) ساعتها.. والچنرال الإيطالي (جراتسياني)، كتب في مذكراته بعد سنين عشان يوثّق اللحظة التاريخية دي:

- ”خلال الرحلة إلى مدينة (بنغازي)، تحدَّث بعض السياسيين مع (عمر المختار) ووجهوا إليه العديد من الأسئلة، فكان يجيب بكل هدوء وبصوت ثابت وقوي دون أي تأثر بالموقف الذي هو فيه.. هذا الرجل اسطورة الزمان الذي نجا آلاف المرات من الموت ومن الأسر، واشتهر عند الجنود بالقداسة والاحترام لأنه الرأس المُفكر والقلب النابض للثورة العربية الإسلاميَّة في (برقة)، وكذلك كان المُنظم للقتال بصبر ومهارة فريدة لا مثيل لها سنين طويلة.. يُخيل إلي أنَّ الذي يقف أمامي رجل ليس كسائر الرجال، له منظره وهيبته رغم أنَّه كان يشعر بمرارة الأسر“.

وفضل (عمر المختار) قاعد في زنزانة ضيقة، وطول الوقت كان بيصلي ويقرأ قران في هدوء وخشوع كإنه في بيته، واعترف بمعاركه وإنه المسؤول الوحيد عن خسائر الجيش الايطالي.. وتصريحاته استفزت القائد (جراتسياني) جدا، وأصرّ على إعدامه وسط أهله بطريقة قاسية عشان يكسر أي حد بيحاول يقلّده، لكن (عمر المختار) كان هادئ جداً، وصمم على كلامه:

- ”نعم قاتلت ضد الحكومة الإيطالية، ولم أستسلم قط.. لم تخطر ببالي أبداً فكرة الهرب عبر الحدود.. اشتركت في معارك كثيرة لا أستطيع تحديدها، ولا فائدة من سؤالي عن وقائع منفردة.. وما وقع ضد إيطاليا على مدار سنوات وحتى الآن كان بإرادتي وإذني.. كانت الغارات تُنفَّذ بأمري، وبعضها قمت به أنا بنفسي.. الحرب هي الحرب، أعترف بأنه قُبض عليّ والسلاح بيدي أمام الزاوية البيضاء، ولا أرى العجب في ذلك، ولا أشعر بالندم عمَّا قمت به.. هل تتصورون أن أبقى واقفاً دون إطلاق النار أثناء القتال؟!.

وبعدها بأربع أيام انعقدت محكمة طارئة للتحقيق مع الزعيم الليبي (عمر المختار)، والغريب إنها كانت هزلية وعبثية بشكل رهيب، لدرجة إنهم نصبوا المشنقة قبل حضور القضاة وبدء التحقيق، وتأكّد الجميع إن إعدام (عمر المختار) مسألة وقت مش أكتر.. وبالرغم من كده، إلا إن أحد المحاميين الإيطاليين تولّى مهمة الدفاع عنه باستماتة، وطلب من المحكمة إنها تحكم عليه بالسجن المشدد مدى الحياة مراعاة لشيخوخته وعجزه، لكن تم رفض طلبه بشكل صريح؛ فقال المحامي الايطالي (روبرتو لونتانو) تصريحه اللي هز أرجاء ليبيا وقتها:

- "إنَّ هذا المُتهم الذي انتدبت للدفاع عنه، إنما يُدافع عن حقيقة كلّنا نعرفها جيداً، وهي الوطن الذي طالما ضحينا نحن في سبيل تحريره، إنَّ هذا الرجل هو ابن لهذه الأرض قبل أن تطأها أقدامكم، وهو يعتبر كل من احتلها عنوة عدوّاً له، ومن حقه أن يُقاومه بكل ما يملك من قوَّة حتى يُخرجه منها أو يهلك دونها.. إن هذا حق منحته إياه الطبيعة والإنسانية.. إنَّ العدالة الحقّة لا تخضع للغوغاء، وإني آمل أن تحذروا حكم التاريخ فهو لا يرحم، وإنَّ عجلته تدور وتسجّل ما يحدث في هذا العالم المضطرب“.

وتمت مقاطعة المحامي أثناء محاولات الدفاع، وبعدها بساعة نطق القاضي الحكم على (عمر المختار) بالإعدام شنقاً، ولما المترجم حاول يعرّفه العقوبة اللي هتتنفذ فيه وإنه هيتعدم قريباً، قال (عمر) ساعتها:

- "إنَّ الحكم إلّا لله، لا لحكمكم المُزيَّف.. إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون“.

وفي صباح ١٦ سبتمبر ١٩٣١، اتجمعت الأهالي عشان يودّعوه ووصل عددهم لأكتر من ٢٠ ألف رجل وامرأة، واستعدت القوات الايطالية كويس جدا للتعامل مع أي محاولة لتهريبه، ده غير ان الطيارات بدأت تحلّق على ارتفاعات منخفضة عشان تقضي على أي فرصة للزعيم (عمر المختار) في إنه يبلّغ المواطنين وصية لاستكمال الجهاد، وصدرت الأوامر بضرب وتعذيب أي حد يبكي أو يحزن لحظة اعدامه، فصعد (عمر) لملاقاة مصيره بصدر رحب والابتسامة على وجهه ونطق الشهادة في سلام، وغاب عنا بجسده من حوالي ٩٠ سنة لكن سيرته لسة هتعيش سنين وسنيييين.

شروط النشر على موقعنا: اضغط هنا
الفيس بوك: اضغط هنا

مشاهدات: 91
Share on facebook
Share on twitter
Share on telegram
Share on whatsapp

أحدث المقالات: