مذبحة القديس

مذبحة القديس بارثولوميو: باريس تحترق بأيادي كاثوليكية – ابراهيم فريد

كاتب المقال: ابراهيم فريد

التصنيف: ,

المقالة

مذبحة القديس بارثولوميو: باريس تحترق بأيادي كاثوليكية - ابراهيم فريد

مفيش شك إن الصراعات الطائفية والمذهبية موجودة منذ فجر التاريخ ولغاية دلوقتي، سواء كانت صراعات بين ديانات وضعية أو أديان سماوية، والغريب إن التاريخ بيكشفلنا في النهاية إنها قامت لأسباب سياسية.. لكن احنا النهارده هنتكلم عن صراع تاريخي حصل في باريس من حوالي خمس قرون.. عاصمة النور والثقافة زي ما بيتقال عليها..

عروس أوروبا اللي شهدت مجزرة مروعة راح ضحيتها عشرات الآلاف من البشر في ليلة واحدة، حرفياً المدن الفرنسية اشتعلت لأسابيع بسبب العداء التاريخي بين الكاثوليك والبروتستانت، والشوارع امتلأت بآلاف الجثث وأنهار من الدماء البشرية، لدرجة إن الأهالي امتنعوا عن تناول الأسماك بعد ما لاحظوا إن بطونها بتحتوي على بقايا بشرية نتيجة المجزرة دي، لكن لو عايز تعرف أكتر عن الموضوع يبقى لازم تتابع معانا مقالة النهارده للنهاية.👇

في البداية لازم تعرف يعني إيه كاثوليك وبروتستانت، وإيه هي الفروق الجوهرية والطفيفة ما بين الطائفتين المسيحيتين دول.. الكاثوليكية هي جميع الكنائس المسيحية اللي بتقرّ بسيادة بابا الفاتيكان بمدينة روما الإيطالية بالاشتراك مع الكرسي الرسولي أو الكرسي البابوي، والكرسي الرسولي ده عبارة عن كيان سياسي قانوني يرأسه أسقف روما أو رأس الكنيسة الكاثوليكية.. يعني باختصار الكاثوليك هم مجموعة من المسيحيين اللي بيتّبعوا التقليد الروماني اللي بيمثّله بابا الفاتيكان باعتباره خليفة القديس (بطرس) تلميذ (يسوع) المسيح.

أما البروتستانتية فهي أحد مذاهب الديانة المسيحية، ونشأت في القرن السادس عشر الميلادي نتيجة الحركة الإصلاحية اللي قام بها الراهب الألماني (مارتن لوثر)، وده بعد ما استهدف ساعتها بعض سياسات الكنيسة الكاثوليكية في أوروبا الغربية، زي صكوك الغفران، والسلطة التعليمية في الكنيسة الكاثوليكية، وغيرها كتير من القرارات.

مذبحة القديس بارثولوميو: باريس تحترق بأيادي كاثوليكية - ابراهيم فريد

طبعاً الراهب الألماني (مارتن لوثر) صمّم على أفكاره واستمر في مهاجمته للكنيسة الكاثوليكية في روما؛ فتم نفيه وإدانته مع كتاباته باعتبارها هرطقة وكفر، لكن الحركة الإصلاحية بتاعته كانت بدأت تنتشر وأثمرت عن مذهب جديد في المسيحية اسمه البروتستانت.

والصراع بين المذهبين في القرن السادس عشر كان ملحمي، والحروب بينهم كانت مستمرة لعقود طويلة لدرجة إن الطرفين كانوا بيخسروا آلاف البشر كل سنة نتيجة تمسّكهم بأفكارهم الدينية والعقائدية، والكلام ده فضل مستمر لغاية عام ١٥٧٠.

ساعتها، اتفق قادة الكاثوليك مع القادة البروتستانت في فرنسا المعروفين باسم (الهيوجونوت) على إبرام معاهدة سلام ما بينهم.. معاهدة بموجبها يعيش أتباع المذهبين في أمان تام بدون غارات أو حروب ينتج عنها آلاف الضحايا، وعشان الطرفين يضمنوا الالتزام ببنود المعاهدة دي قرروا إنهم يناسبوا بعض عن طريق تزويج أميرة فرنسا الكاثوليكية (مارجريت) شقيقة الملك الكاثوليكي (تشارلز التاسع) إلى الملك البروتستانتي (هنري الثالث) ملك (ناڤارا) اللي في شمال إسبانيا.

وفي عام ١٥٧٢، بدأت المدن الفرنسية اللي غالبيتها من الكاثوليك تستقبل الوفود البروتستانتية من مملكة (ناڤارا) استعداداً لحفل الزفاف الملكي.. لكن الأهالي في مدينة (باريس) كانوا رافضين فكرة الزواج ده للأسف، وكانوا بيشعروا بالغضب والكراهية تجاه المسيحيين البروتستانت، لدرجة إنهم كانوا بيعتبروهم ملحدين أو كفّار بيدنّسوا أراضيهم المقدّسة الطاهرة.

مذبحة القديس بارثولوميو: باريس تحترق بأيادي كاثوليكية - ابراهيم فريد

وبعد وصول الآلاف من الأثرياء البروتستانت مع قادتهم للأراضي الفرنسية، حصلت محاولة اغتيال فاشلة للأدميرال البروتستانتي (جاسبرد دي كوليجني).. والأدميرال ده كان أحد أشهر وأهم قادة الهيوجونوت و اكثرهم نفوذاً، وعلى الرغم من فشل محاولة الاغتيال دي إلا إن مشاعر الغضب زادت بين الطرفين أكتر وأكتر، وساعتها 👇

قادة البروتستانت وأثريائهم اتجهوا لقصر ملك فرنسا (تشارلز التاسع) عشان يطلبوا منه إنه يصدر أوامره بالتحقيق في القضية والبحث عن المجرم اللي ارتكب حادثة الاغتيال دي، وبدأت المدينة تستقبل أعداد ضخمة من جيش (ناڤارا) البروتستانتية، وبلغ عدد الجنود الوافدين حوالي ٤ آلاف جندي بقيادة شقيق الأدميرال البروتستانتي (جاسبرد دي كوليجني)، وده طبعاً جعل القادة الكاثوليك يشعروا بوجود مؤامرة ضدّهم وإن البروتستانت بيستعدوا للانتقام، لدرجة إن السيدة (كاثرين دي مديشي) والدة ملك فرنسا بدأت تحس إن البروتستانت بيستعدوا كمان لعمل انقلاب ضدّ ابنها ملك فرنسا.

فاجتمعت به في ٢٣ أغسطس، واتفقت معاه على إنهم يتخلّصوا من جميع البروتستانت الموجودين في باريس، وأكّدت عليه إن مفيش فرصة أفضل من دي للتخلّص منهم باعتبار إن جميع قادتهم متجمّعين في المدن الفرنسية لحضور حفل زفاف زعيمهم على الأميرة الكاثوليكية (مارجريت).

الحقيقة إن أغلب المؤرخين بيرجّحوا إن ملك فرنسا كان معترض في الأول على اقتراح والدته، وده لإنه كان خايف من انتقام البروتستانت اللي هينجوا من المجزرة دي لو فشلت، لكن وافق في النهاية بعد ما والدته قدرت تقنعه إن المجزرة هتنهي على جميع قادة البروتستانت، ومش هيتبقّى منهم أي حد نهائي.

مذبحة القديس بارثولوميو: باريس تحترق بأيادي كاثوليكية - ابراهيم فريد

وبالفعل، في يوم ٢٤ أغسطس الموافق عيد القديس (بارثولوميو) بدأت أعمال التحضير لأكبر مجزرة في التاريخ؛ فأصدروا أوامرهم بغلق جميع بوابات المدينة، وتمت محاصرة أحيائها من جميع الجهات، وبدأوا في توزيع الأسلحة على الأهالي الكاثوليك، وأمروا الحرس الملكي بتصفية جميع قادة الهيوجونوت وأثريائهم عند ميعاد معين وهو دق أجراس الكنيسة قبل ميعادها الطبيعي بمناسبة القدّاس.. وللتمييز بين الكاثوليك وغيرهم، نبّهوا على الأهالي إنهم يربطوا الذراع الأيسر بوشاح أبيض في انتظار ساعة الصفر.

وعند منتصف الليل تقريباً، دقّت أجراس كنيسة (سان چيرمان) قبل ميعادها، فدخل الحرس الملكي على الأدميرال (جاسبرد دي كوليجني)، وسحبوه من فراشه وفضلوا يطعنوه ويمثّلوا به قبل ما يلقوه من النافذة، فاستلمت الأهالي جثّته وفضلوا ينكّلوا بيها لساعات، لدرجة إنهم فصلوا رأسه عن جسمه وأرسلوها إلى بابا الكنيسة الكاثوليكية في روما عشان يعلنوا انتصارهم على المذهب البروتستانتي.. وبعدها، اندفعوا مع الحرس الملكي في اتجاه قصر اللوڤر، وهناك سحلوا قادة الهيوجونوت من غرفهم، واتجهوا بيهم لشوارع المدينة، وفضلوا ينكّلوا بجثثهم ويقطّعوا أطرافهم ويلقوها في النهر.

لدرجة إن المؤرخين أثناء وصفهم للمجزرة دي، أكّدوا إن لون المياه في النهر تحول إلى الأحمر من كثرة الدماء البشرية، واضطرت الأهالي ساعتها إنها تمتنع عن تناول الأسماك لشهور بسبب احتواء بطونها على بقايا بشرية بسبب المجزرة دي.. الأغرب من كده إن المواطنين الكاثوليك أغلقوا شوارع المدينة بالجنازير، وبدأوا يداهموا البيوت بحثاً عن أي أشخاص من البروتستانت عشان يضمنوا انقراضهم تماماً، ويقضوا على أي فرصة للانتقام بعد المجزرة دي، وبدافع الانتقام قرروا إنهم يحشدوا نسائهم وأطفالهم واغتصبوهم جميعاً قبل ما يدبحوهم ويقطّعوا جثثهم، لدرجة إن الدماء البشرية كان بتفيض من شوارع باريس.. وللأسف ماكانش فيه أي مفرّ نهائي، وحرفياً كان البروتستانت بيهربوا وسط الشوارع وهم بيصرخوا ويبكوا لغاية ما تم القضاء على أغلبهم.

مذبحة القديس بارثولوميو: باريس تحترق بأيادي كاثوليكية - ابراهيم فريد

ومع طلوع النهار، أصدر البلاط الملكي أوامره بإيقاف وإنهاء المجزرة لغاية كده، لكن الأهالي الكاثوليك كانت مشاعر الغضب والكراهية تجاه البروتستانت بتكويهم؛ فاستكملوا أعمال العنف ضدهم لأيام وأسابيع، وانتقلت الشرارة إلى باقي المدن الفرنسية عشان تتخلص الأهالي هناك من المسيحيين البروتستانت اللي عايشين معاهم؛ فاشتعلت العديد من المدن زي (بوردو، تولوز، روان) وغيرها كتير من المدن بأعمال السفك والانتقام.

ووفقاً لسجلّات المؤرخين فعدد الضحايا بلغ وقتها ٣٠ ألف بروتستانتي على أقل تقدير، وبعض المصادر بتؤكد إن أعدادهم تفوق الرقم ده بكتير، وقالوا إنها وصلت لحوالي ١٠٠ ألف بني آدم على المذهب البروتستانتي.. وحسب ما تم ذكره في كتاب (معارك التنويريين والأصوليين فى أوروبا) فكان الهدف من المذبحة دي هو القضاء على قادة الهيوجونوت فقط بدون التعرض لنسائهم أو أطفالهم او شيوخهم، لكن البعض من ذوي النفوس المريضة هم اللي قرروا يستغلّوا الفوضى لقتل جميع المواطنين البروتستانت مهما كانت اعمارهم.

والأغرب من كده إن بابا الكنيسة الكاثوليكية في روما (جريجورى الثالث عشر) لما عرف بأمر المذبحة دي ابتهج جداً وقتها، وأرسل إلى ملك فرنسا (تشارلز التاسع) عشان يهنئه ويثني عليه كونه قدر يقضي على المذهب البروتستانتي واللي تم وصفه ساعتها بطاعون الزندقة في البلد الطاهر.

مذبحة القديس بارثولوميو: باريس تحترق بأيادي كاثوليكية - ابراهيم فريد

الحقيقة إن أوروبا كلها كانت بتحتفل بالنصر ده، لدرجة إن بابا الكنيسة أمر بسَكِّ أوسمة لتخليد ذكرى مذبحة باريس، وكتب على الأوسمة دي (إعدام الملحدين والكفّار)، وأمر كمان بإطلاق المدافع وإقامة القُدَّاس في شتى الكنائس الأوروبية، ودعا الفنانين ومنهم الرسام الأيطالي الشهير (چورچيو فازاري) إلى توثيق مناظر المذبحة على حوائط الفاتيكان من الداخل، وهتلاقي جدارياته ما زالت موجودة لغاية النهارده، وتحمل اسم (مذبحة يوم القديس بارثولوميو St. Bartholomew's Day massacre)، وكمان ذكرها الفيلسوف الفرنسي (فرانسوا فولتير) في كتابه (رسالة في التسامح A Letter Concerning Toleration).

في النهاية حابب أؤكد إن هي دي كانت مفاهيم العصور الوسطى المعروفة باسم العصور الظلامية، ودايماً بنلاقي انتشار الفتن والصراعات الطائفية والمذهبية بيكون مرتبط في الغالب بأسباب سياسية، وبفكّركم إن جميع الأديان والعقائد بتدعو للتسامح والمحبة، لكن الفاسدين هم اللي بيشعلوا الفتن دايماً عشان الفوضى تستمر لأطول فترة.

شكراً لكل واحد بيدعمني من خلال اللااااااايك والشيييييييير، وكالعادة لو الموضوع عجبك متنساش تعمل منشن لصحابك عشان أقدر استمر. ❤️

ابراهيم_فريد#

شروط النشر على موقعنا: اضغط هنا

الفيس بوك: اضغط هنا

مشاهدات: 162
Share on facebook
Share on twitter
Share on telegram
Share on whatsapp

أحدث المقالات: