ايڤان الرهيب (القصير المجنون) - ابراهيم فريد

ايڤان الرهيب (القصير المجنون) – ابراهيم فريد

كاتب المقال: ابراهيم فريد

المقالة

ايڤان الرهيب (القصير المجنون) - ابراهيم فريد

أكيد كلنا عارفين إن الشعب الروسي هو شعب غريب الأطوار بطبعه، ودايماً بيتم حكمه بأغرب وأشرس الحكام في التاريخ، بدايةً من أخر القياصرة (نيكولاس الثاني) أحد أفراد عائلة (رومانوڤ) اللي أمر بإحضار رسول الشيطان (راسبوتين) إلى قصره عشان يساعده في علاج ابنه (أليكسي)، لغاية أول قيصر في تاريخ الدولة الملقّب باسم (إيڤان الرهيب) أو إيڤان المعظّم أو المرعب.

الحاكم اللي أقام مذابح ضد المسلمين في (قازان) عشان يوفّر لشعبه طرق تجارة آمنة من غير ما يدفع الجزية اللي ربنا فرضها على غير المسلمين، وبعدها شنّ حملات مكثفة بغرض تنصيرهم وإدخالهم في المسيحية بالإجبار.. كوّن كتيية من ألف مقاتل متوحش أشبه بالشياطين واتعرفت ساعتها باسم (كلاب القيصر) عشان يطلقهم على شعبه؛ فكان بيصدر لهم يومياً أوامر صارمة بجمع نساء طبقة النبلاء عشان يقيم حفلات اغتصاب جماعي تستمر أحياناً لأيام قبل ما يقتلهم.. القيصر اللي ابتكر فنون عجيبة في التعذيب زي تحطيمه لعظام أقدام البني آدميين قبل إطلاقهم في درجات حرارة بتوصل أحياناً إلى خمسين درجة تحت الصفر عشان يتجمّدوا أثناء زحفهم.. لكن لو عايز تعرف أكتر عنه يبقى لازم تتابع معانا مقالة النهارده للنهاية.👇
اتولد (إيڤان الرابع Ivan IV) الملقّب بإيڤان الرهيب في ٢٥ أغسطس عام ١٥٣٠، وكان والده (ڤاسيلي إيڤانوڤيتش Vasili Ivanovich) هو حاكم روسيا ساعتها لغاية ما تم اغتياله في عام ١٥٣٣ على يد نبلاء طبقة (البويار، أو البوليار) اللي اتكلمنا عنها في مقالة (دراكيولا)، وهي طبقة بتضم مجموعة من الارستقراطيين الأثرياء اللي كانوا موجودين في روسيا، يعني أشبه بالباشوات أيام الملكية عندنا.
(إيڤان الرابع) كان عنده ٣ سنوات فقط لما والده مات؛ فاضطر النبلاء إنهم ينصّبوه أمير (موسكوڤيا Moskovia) تحت وصاية والدته (إيلينا جلينسكايا Elena Glinskaya)، وبالرغم من إن والدته كانت عايشة وعلى قيد الحياة، إلا إنهم أصبحوا هم المتحكّمين الفعليين في أي حاجة تخص أمور الدولة.
ايڤان الرهيب (القصير المجنون) - ابراهيم فريد
لغاية ما قدروا يتخلّصوا منها هي كمان عن طريق تسميمها، وكان (إيڤان الرهيب) وقتها عمره ٨ سنوات فقط، وأصبحت طبقة (البويار) هي اللي بتدير الحياة السياسية في روسيا بعد ما أصبحوا أوصياء على عرش (إيڤان).
لكن لما وصل عمره ١٦ سنة فقط، تم تتويجه قيصر عموم روسيا الأول، وأصبح هو أول قيصر يتولّى حكم روسيا، والحقيقة إنه استمد لقب القيصر من الرومانيين، أما لقب الرهيب فهي ترجمة مغلوطة لكلمة (جروزني Groznyi)، وده لإن معناها الحقيقي في اللغة الروسية هو المعظّم أو المرعب دلالة على سيطرته، ومفيهاش أي إهانة لشخصه.. لكن الباحثين والمؤرخين شايفين إن جرايمه اللي هنتكلم عنها بعد شوية جعلته يستحق لقب الرهيب فعلاً، وده لإنه كان حاكم سادي بشكل غير مسبوق.
مرت أول عشر سنوات من حكم (إيڤان) بشكل طبيعي، واهتم ساعتها بتوسيع رقعة الدولة الروسية، واستهدف ضم البلدان الملاصقة لحدوده إلى إمبراطوريته عشان يربط بين بحر البلطيق وبحر قزوين، وعلى الرغم من فشله فى تحقيق الهدف ده وقتها، إلا أنه تمكن من ضم أراضي شاسعة إلى حدود روسيا زي بلاد (تتارستان Tatarstan، وسيبيريا Siberia)، بالإضافة إلى نجاحه في احتلال معسكرات التتار فى (قازان Kazan، وآستراخان Astrakhan)؛ فقدر إنه يوصل إلى نهر الـ(الڤولجا Volga).
وساعتها، قرر (إيڤان) إنه يتزوّج عشان يكون له وريث للعرش؛ فاختار أول زوجة له وهي الأميرة (أناستازيا رومانوڤنا Anastasia Romanovna)، وانجب منها ٦ أطفال، مات منهم ٤ أثناء الطفولة في ظروف غامضة، لكن بعض الباحثين بيرجحّوا إن وفاتهم كانت على يد نبلاء طبقة (البويار)، وبالرغم من استمرار زواجه من الاميرة (آنستازيا) لمدة ١٣ سنة، إلا إنها ماتت في ظروف غامضة هي كمان عام ١٥٦٠.
ايڤان الرهيب (القصير المجنون) - ابراهيم فريد
وهنا، بدأ القيصر (إيڤان الرابع) يتحوّل من حاكم مهتم بشئون الدولة وتوسعة مساحتها إلى إنسان مجنون لأقصى درجة؛ فاتهم نبلاء طبقة (البويار) بإن هم اللي قتلوا زوجته عن طريق تسميمها، ده غير إيمانه الراسخ بإن هم اللي قتلوا أبوه وأمه؛ فقرر إنه ينتقم منهم بشكل مرعب لأقصى درجة.
القيصر (إيڤان الرهيب) ساعتها كان بيأمر جنوده بإحضار نساء طبقة النبلاء عشان يغتصبهم بنفسه، وبعدها يقدّمهم لجنوده عشان يقيموا حفلات اغتصاب جماعي لنساء الطبقة.. في الفترة دي كانت روسيا بتمر بأزمات اقتصادية صعبة نتيجة جفاف المحاصيل وموت المزروعات بشكل مستمر، بالإضافة إلى ضعف معدلات التجارة بسبب حروبه المستمرة، وده طبعاً كان بيخلق جبهة من المعارضة أغلبهم من الأثرياء.
فقرر (إيڤان) إنه يعمل كتيبة من ألف جندي يكون ولاءها له هو فقط، كتيبة تكون مدرّبة على أعلى مستوى، وعندها عشق وتعطّش رهيب للقتل وسفك الدماء، وتكون تحت طوعه ولا تؤتمر إلا منه هو فقط، وبالفعل ظهرت قوة عسكرية مكونة من ألف مقاتل اسمها (أوبريجنيك Oprichniki) أشبه بالوحوش المفترسة.
وكان من ضمن اختبارات الولاء اللي بيعملها عشان يضمن خضوعهم له إنه كان بيأمرهم أحياناً بقتل آبائهم وأمهاتهم وزوجاتهم، والغريب إنهم كانوا دايماً بينفّذوا أوامره من غير اي مناقشة.. وللأسف الكتيبة دي هي اللي كانت مكلّفة بإحضار عائلات النبلاء لغاية القصر عشان (إيڤان) يغتصب النساء أمام أزواجهم، وبعدين يتركهم للجنود يتناوبوا عليهم بوحشية لغاية ما يأمر بقتلهم.
عدد كبير من المؤرخين، بيأكّدوا إن مظهرهم كان مخيف يملأ الرعب والرهبة فى النفوس، وده لإنهم كانوا بيرتدوا ملابس سوداء طويلة بتغطيهم من الرأس لغاية أصابع أقدامهم وتشبه إلى حد كبير ملابس الرهبان زي ما حضراتكم شايفين في الصور، وكانوا بيتنقّلوا بين المدن من خلال أحصنة سوداء ضخمة، ويعلقوا على صهواتها رؤوس مقطوعة لكلاب مفترسة، ويضعوا وراء ظهورهم مكنسة كبيرة الحجم.. فكانت رؤوس الكلاب كناية عن الفتك بأعداء القيصر، أما المكنسة فهي بترمز إلى تنضيف البلاد من شرور الخونة ودسائسهم، وعشان كده كانت الأهالي بتطلق على جنود الكتيبة المرعبة دي اسم (كلاب القيصر Dog-headed people).. والاسم ده فعلاً كان لايق عليهم جداً لإن القيصر حرفياً كان بيعاملهم كإنهم حيواناته الأليفة، لدرجة إنه أخد ٣٠٠ مقاتل منهم عشان يعيشوا معاه فى قلعته المعزولة.
ايڤان الرهيب (القصير المجنون) - ابراهيم فريد
وفقاً لإحصائيات بعض الرهبان وقتها؛ فعدد القتلى وصل لأكتر من ٣٤٧٠ إنسان، وفي بعض المصادر هتلاقي الأعداد أكتر من كده بكتييير وبيوصل تقريباً لحوالي خمسين ألف.. والأغرب من كده إن الضحية كان في الغالب بيتم إعدامه مع زوجته وأطفاله، ولما (إيڤان) عرف إن التجار كمان كانوا متمرّدين وبيسعوا لمشاركة طبقة النبلاء في عمل مؤامرة ضده، أصدر أوامره بحرق كل دكاكينهم وتدمير بيوتهم وأراضيهم، لدرجة إن بعض الرهبان وصفوا الفترة دي بإنها الأسوأ في تاريخ روسيا القيصرية لإنها كانت أشبه بمذبحة جماعية تحت إشراف القيصر.
(إيڤان الرهيب) كان بيسعى فعلياً لبناء مجد حقيقي لدولة روسيا، وكان شايف إن ده مش هيحصل إلا إذا قدر يستولى على (كازان، واستراخان، والقرم) اللي كانوا تحت قبضة التتار، خاصةً إن التتاريين كانوا بيطالبوا (موسكو) بدفع الجزية؛ فقرر إنه يحتل المناطق دي عشان يتحكّم في نهر (الڤولجا) لغاية منابعه، ولكن التجار وطبقة النبلاء كانوا رافضين قرار الحرب ده نهائياً؛ فكانوا بيحاولوا يشكّلوا معارضة سرّية للإطاحة به والانقلاب عليه في أسرع وقت.
ايڤان الرهيب (القصير المجنون) - ابراهيم فريد
لكن (إيڤان) كان مكلّف جماعات من جيشه عشان تبحث وتفتّش عنهم؛ فيتخلّص منهم بأبشع الوسائل، زي إنه كان بيأمر بتحطيم عظام أقدامهم وبعدها يتركهم عرايا وسط الثلوج لغاية ما يتجمّدوا أثناء زحفهم، وفضل مستمر في فتوحاته عشان يستولى على المناطق اللي تأمّنله طريق التجارة من غير ما يدفع الجزية.
فوصل مع ١٥٠ ألف مقاتل لأبواب (قازان)، وحاصرها ساعتها لمدة ٥٠ يوم متواصل، لكن المسلمين اللي كان عددهم حوالي ٣٠ ألف جندي فقط فضلوا يقاوموا ويصمدوا بكل شجاعة، لدرجة إنهم كانوا بيهاجموا جيش (إيڤان الرهيب) في غارات متكررة، ولما كان بيقع منهم أسرى ويشوفوهم متعلقين على المشانق أمام الأسوار، كانوا بيسددوا سهامهم عليهم وهم بيهتفوا:
- ”خير لهؤلاء الأسرى أن يموتوا بأيدي بني وطنهم النظيفة من أن يهلكوا بأيدي الجبابرة المغتصبين“.
لغاية ما نجح مهندس محترف في تحطيم الأسوار وانهيارها، فاندفعت جيوش روسيا بأمر من القيصر (إيڤان) الرهيب في اقتحام المدينة، وفضلوا يدبّحوا في أهلها المسلمين ويغتصبوهم بشتّى الطرق، وفي النهاية بدأ في شنّ حملات مكثفة بغرض تنصيرهم، يعني إجبارهم على الدخول إلى المسيحية عشان يرحمهم من التعذيب والموت.
ايڤان الرهيب (القصير المجنون) - ابراهيم فريد
الغريب إنه كان شايف إنه سياسته السادية مع شعبه سواء من التجار أو النبلاء حق مكفول له، وده لإنه كان بيعتبر نفسه مكلّف من الله أو ممثل لسلطته على الأرض.. بعض العلماء في محاولة منهم لتفسير جرائمه الرهيبة دي، أقرّوا بإن هي دي كانت المفاهيم الدينية للعصور الوسطى، فالحق الإلهي بيمنح الحاكم سلطة غير محدودة بعد الله، يعني هو المكلّف بمنح النعيم أو إدخالك في الجحيم على الأرض، وعشان كده (إيڤان الرهيب) كان بيقوم بشوي البشر وهم على قيد الحياة أو صب الماء والزيت المغلي على جلودهم لإنه ببساطة شايف نفسه ممثل الله على الأرض مع حق مقدس وواجب للمعاقبة.
لدرجة إنه منح نفسه أحقية الزواج رغم عدم اعتراف الكنيسة، فهتلاقيه تزوّج ٨ مرات لكن الكنيسة مش معترفة غير بالزيجات التلاتة الأوائل فقط، وجميع زوجاته انتهت حياتهم إما بالتسميم أو النفي أو الإغراق، وفي كل مرة كان بيتهم طبقة النبلاء بإنهم السبب في مقتل زوجته؛ فيشنّ حملة ضدّهم باستخدام كتيبة (أوبريجنيك) عشان يقيم حفلات اغتصاب وتعذيب لنساء طبقة البويار أمام أزواجهم.
ولو فاكر إنه كده ارتكب أبشع جرايم ممكن يرتكبها إنسان مجنون، فأحب أقولك إنه وصل به الأمر كمان إنه يقتل إبنه بإيده خوفاً من انتقامه.. (إيڤان) كان عارف إنه أصبح مكروه من الجميع سواء داخل روسيا او خارجها، فكانت بتساوره الشكوك دايماً في أي حد قريب منه، لدرجة إنه أوقات كتير كان بيقتل مساعديه رغم وفائهم لمجرد خوفه من إنهم يخونوه أو ينقلبوا عليه.
في ١٦ نوڤمبر عام ١٥٨٠، شاف زوجة ابنه لابسة فستان عادي لكن هو كان شايف إن الفستان ده مش محتشم وبيظهر بعض تضاريسها؛ ففضل يضرب فيها بعزم ما فيه لغاية ما فقدت حملها اللي في بطنها.. وساعتها، ابنه عرف إن أبوه هو السبب في إجهاض زوجته، فبدأ يؤنّبه ويلومه على تصرّفه ده، لكن (إيڤان) ضربه بالصولجان على دماغه بقوة؛ فمات في ساعتها.
والحقيقة إن الواقعة دي محل خلاف بين عدد من الباحثين والمؤرخين، وده لإن البعض شايف إنه ماكانش يقصد يقتل ابنه، بل كان بيحاول يأدّبه مش اكتر، والبعض الآخر بيرجّح إنه كان يقصد يقتله خوفاً من الانقلاب عليه ومحاكمته.. لكن المؤكد إن الواقعة دي، قدر الفنان الروسي (ايليا ريبين Ilya Repin) إنه يجسّدها من خلال لوحته الشهيرة باسم (إيڤان الرهيب يقتل ابنه Ivan the Terrible killed his son) اللي رسمها عام ١٨٨٥ تقريباً.
ايڤان الرهيب (القصير المجنون) - ابراهيم فريد
وفي أواخر أيامه، أصيب (إيڤان الرهيب) بمرض غريب، تسبّب في إن جسمه يتورم وتخرج منه رائحة نتانة بشعة.. وفي ١٨ مارس ١٥٨٤ مات وهو بيلعب مباراة شطرنج مع صديقه (بوريس جودونوڤ Boris Godunov)، وبسبب انتشار الإشاعات بعد موته بإنه مات مقتول؛ فعدد من المؤرخين بيرجّحوا إن (بوريس) هو اللي نجح في وضع السم داخل كأس القيصر عشان يتخلّص من أحد أكثر الشخصيات رعباً وطغياناً في التاريخ، خاصةً إنه أصبح وصي على عرش روسيا من بعد وفاة (إيڤان) ولغاية عام ١٥٩٨، وبعدها أصبح هو القيصر الفعلي لمدة ٧ سنين..

شروط النشر على موقعنا: اضغط هنا

الفيس بوك: اضغط هنا

مشاهدات: 9
Share on facebook
Share on twitter
Share on telegram
Share on whatsapp

أحدث المقالات: